محمد بن جرير الطبري

387

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قبلكم من الأَمم التي سألت أنبياءها ما لم يكن لها مسألتها إياهم ، فلما أعطيت كفرت ، فعوجلت بالعقوبات لكفرها بعد إعطاء الله إياها سؤلها . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ . يعني جل ثناؤه بقوله : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ ومن يستبدل الكفر ؛ ويعني بالكفر : الجحود بالله وبآياته بِالْإِيمانِ ، يعني بالتصديق بالله وبآياته والإِقرار به . وقد قيل عني بالكفر في هذا الموضع الشدة وبالإِيمان الرخاء . ولا أعرف الشدة في معاني الكفر ، ولا الرخاء في معنى الإِيمان ، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله الكفر بمعنى الشدة في هذا الموضع وبتأويله الإِيمان في معنى الرخاء ما أعد الله للكفار في الآخرة من الشدائد ، وما أعد الله لأَهل الإِيمان فيها من النعيم ، فيكون ذلك وجها وإن كان بعيدا من المفهوم بظاهر الخطاب . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن أبي العالية : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ يقول : يتبدل الشدة بالرخاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية بمثله . وفي قوله : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ دليل واضح على ما قلنا من أن هذه الآيات من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا خطاب من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم مما سر به اليهود وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، فكرهه الله لهم . فعاتبهم على ذلك ، وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم وحسد وبغي ، وأنهم يتمنون لهم المكاره ويبغونهم الغوائل ، ونهاهم أن ينتصحوهم ، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرا فقد أخطأ قصد السبيل . القول في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . أما قوله : فَقَدْ ضَلَّ فإنه يعني به ذهب وحاد . وأصل الضلال عن الشيء : الذهاب عند والحيد . ثم يستعمل في الشيء الهالك والشيء الذي لا يؤبه له ، كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة : ضل بن ضل ، وقل بن قل ؛ كقول الأَخطل في الشيء الهالك : كنت القذى في موجز أكبر مزبد * قذف الأَتي به فضل ضلالا يعني : هلك فذهب . والذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه . وأما تأويل قوله : سَواءَ السَّبِيلِ فإنه يعني بالسواء : القصد والمنهج ، وأصل السواء : الوسط ؛ ذكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال : " ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي " ، يعني وسطي . وقال حسان بن ثابت : يا ويح أنصار النبي ونسله * بعد المغيب في سواء الملحد يعني بالسواء الوسط . والعرب تقول : هو في سواء السبيل ، يعني في مستوى السبيل . وسواء الأَرض مستواها عندهم ، وأما السبيل فإنها الطريق المسبول ، صرف من مسبول إلى سبيل . فتأويل الكلام إذا : ومن يستبدل بالإِيمان بالله وبرسوله الكفر فيرتد عن دينه ، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول . وهذا القول ظاهره الخبر عن زوال المستبدل بالإِيمان والكفر عن الطريق ، والمعنى